أزمة أجور الكادر الصحي في السودان تداعيات الحرب والفجوة الهيكلية — خارطة طريق للإصلاح والاستدامة
الجمهور المستهدف: صانعو القرار، مقدمو الخدمات الصحية ، المنظمات الدولية، الشركاء الإنمائيون،المجتمع.

نوع الوثيقة: ورقة علمية مهنية — سياسة صحية– خطة استراتيجية.
دكتور محمد ابراهيم عبدالرحمن يوسف
وزارة الصحة
ولاية الخرطوم
أولاً: المقدمة
1. يعاني النظام الصحي في السودان من تحديات هيكلية عميقة الجذور، يتصدرها أزمة الأجور في القطاع العام، التي باتت تهدد بانهيار منظومة الرعاية الصحية في البلاد. فبينما يُعدّ الكادر الصحي العمود الفقري لأي نظام صحي فاعل، تكشف الأرقام الميدانية أن رواتب العاملين في القطاع العام السوداني لا تتجاوز في معظمها ما بين 10 و40 دولاراً
أمريكياً شهرياً، مهما بلغت مستوياتهم المهنية والأكاديمية وذلك في حال استقرار سعر الصرف. وبما ان المرتب بالعملة المحلية وهي في حالة هبوط في القيمة الشرائية، فان المرتب قابل للنقصان دوما اما الدولار.
2. هذه الفجوة المأساوية بين الأجور المدفوعة ومتطلبات الحياة الكريمة لا تمثل مجرد إشكالية اقتصادية للعاملين، بل تتحول إلى أزمة وجودية للنظام الصحي بأسره؛ إذ تُفضي إلى هجرة الكفاءات، وتدني الأداء، وانهيار الخدمات، وتراجع الثقة المؤسسية.
3. وقد جاءت حرب الكرامة التي اندلعت في أبريل 2023 لتُضاعف من وطأة هذه الأزمة، فدمّرت البنية التحتية الصحية، وشتّتت الكوادر المدرّبة، وعمّقت الهوّة بين الإمكانيات المتاحة والاحتياجات المتزايدة.
4. تسعى هذه الورقة إلى تشريح هذه الأزمة المركّبة بمنهجية علمية، وتقديم خارطة طريق عملية للإصلاح، مستفيدةً من التجارب الدولية المقارنة لدول عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية،خاصة بعد سعي الحكومة في اصلاح اجور ورواتب بعض الفئات في الخدمة المدنية .
ثانياً: الأهداف
5. الأهداف التحليلية: توثيق الواقع الراهن لأجور الكادر الصحي في القطاع العام السوداني بأرقام وإحصاءات موثّقة، وقياس الفجوة بين الأجور المدفوعة وتكاليف المعيشة الحقيقية على المستويين المحلي والدولي، وتحليل الأثر المتراكم للأزمات المتعاقبة على منظومة الرواتب، ورصد مؤشرات هجرة الكوادر الصحية وأنماطها الجغرافية والتخصصية.
6. الأهداف السياساتية: تزويد صانعي القرار بأدوات تحليلية لفهم أبعاد الأزمة ومآلاتها، واقتراح حلول عاجلة واقعية قابلة للتطبيق، ورسم خارطة طريق للإصلاح الهيكلي بعيد المدى، وبناء نموذج للاستفادة من التجارب الدولية الناجحة وتكييفه مع الواقع السوداني.
7. الأهداف المؤسسية: تعزيز الحوار بين الحكومة والمنظمات الدولية والمانحين حول أولويات الدعم، وإرساء معايير مهنية للرواتب تتوافق مع المستويات الإقليمية والدولية، وحماية المكتسبات البشرية الصحية المتبقية وتحصينها من مزيد من التآكل.
ثالثاً: المنهجية
8. اعتمدت هذه الورقة على منهجية بحثية متكاملة تجمع بين التحليل الكمي والنوعي عبر مصادر متعددة. على صعيد البيانات الأولية، اعتمدت على مقابلات ميدانية مع عينة ممثلة من العاملين الصحيين عبر المستويات المهنية المختلفة، وسجلات الرواتب الرسمية للمستشفيات الحكومية والوحدات الصحية، وتقارير النقابات المهنية للأطباء والصيادلة والتمريض، واستبيانات إلكترونية موجّهة للعاملين الصحيين داخل السودان وفي المهجر.
9. أما على صعيد البيانات الثانوية، فقد استُقيت من تقارير منظمة الصحة العالمية بشأن القوى العاملة الصحية في السودان، وإحصاءات وزارة الصحة الاتحادية ووزارة المالية لسنوات 2020 إلى 2025، وتقارير اليونيسف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والدراسات الأكاديمية المحكّمة المتعلقة بهجرة الكفاءات الصحية.
10. وقد وُظّفت في التحليل أدوات متعددة تشمل: تحليل الفجوة بين الرواتب المدفوعة ومتطلبات العيش الكريم، والمقارنة الدولية مع دول ذات دخل مشابه، ونمذجة السيناريوهات المستقبلية لأعداد الكوادر الصحية، وتحليل SWOT للنظام الصحي السوداني في ما يخص الموارد البشرية.
فجوة الكادر الصحي في السودان قبل حرب الكرامة — الواقع مقارنةً بمعايير منظمة الصحة العالمية (2022)
أولاً: إطار المعايير الدولية المرجعية
11. قبل الخوض في أرقام السودان، لا بد من تحديد المعايير الدولية التي تُقاس بها الفجوة. حددت منظمة الصحة العالمية ثلاثة عتبات مرجعية متتالية:
12. العتبة الأولى (2006): 22.8 كادراً صحياً (أطباء وممرضون وقابلات) لكل 10,000 مواطن، وهو الحد الأدنى اللازم لتحقيق 80% من الولادات بمساعدة كادر مؤهل وبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية.
13. العتبة الثانية (2016): 44.5 كادراً صحياً لكل 10,000 مواطن، وهو الحد الأدنى المُحدَّث اللازم للوفاء بأهداف التنمية المستدامة وتحقيق التغطية الصحية الشاملة.
14. العتبة الثالثة (للتغطية الشاملة الكاملة): تُشير دراسات عبء الأمراض العالمي إلى أن بلوغ 80 من 100 على مؤشر التغطية الصحية الفعلية يستلزم 20.7 طبيباً على الأقل و70.6 ممرضاً وقابلةً لكل 10,000 مواطن.
ثانياً: واقع الكادر الصحي الكلي في السودان (2022 قبيل الحرب)
15. في عام 2019، بلغت كثافة الأطباء والممرضين والقابلات وسائر العاملين الصحيين في السودان 3.6 و14 و5.1 لكل 10,000 مواطن على التوالي، وهي أرقام تقع جميعها دون الحد الأدنى لمنظمة الصحة العالمية البالغ 22.8 كادراً صحياً لكل 10,000 مواطن. وتُشير تقديرات عام 2022 قبيل اندلاع الحرب إلى أن الوضع لم يتحسن جوهرياً، إذ ظلّ السودان يُسجّل إجمالي كثافة للكادر الصحي الجوهري (أطباء وممرضون وقابلات) في حدود 26.7 لكل 10,000 مواطن، وهو رقم يبدو قريباً من العتبة الأولى نظرياً لكنه يُخفي اختلالات توزيعية حادة.
16. الفجوة الكلية مقارنةً بعتبة 2016: المطلوب وفق معايير التنمية المستدامة هو 44.5 كادراً لكل 10,000 مواطن، والموجود فعلياً نحو 26.7، أي أن الفجوة تبلغ 17.8 كادراً لكل 10,000 مواطن. وبحساب عدد سكان السودان البالغ نحو 46 مليون نسمة عام 2022، يعني ذلك أن النظام الصحي يفتقر إلى ما يزيد على 82,000 كادر صحي مؤهل إضافي ليبلغ الحد الأدنى المطلوب لتحقيق التنمية المستدامة،واضعين في الاعتبار توفر وظائف بالاضافة الي الاحلال في الكوادر نتيجة الهجرة والوفاة والتقاعد والتحول الي مهنة اخري.
ثالثاً: فجوة الأطباء
17. سجّل السودان عام 2015 نحو 4.1 طبيب لكل 10,000 مواطن. وتُشير بيانات البنك الدولي المُستقاة من إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن كثافة الأطباء في السودان بلغت 2.62 طبيب لكل 1,000 مواطن عام 2015 كأعلى قيمة مسجّلة، ثم انخفضت إلى 2.62 عام 2017. وبتحويل هذه الأرقام إلى المقياس الموحّد (لكل 10,000 مواطن) وأخذاً بالتقديرات الأكاديمية المحكّمة، تبلغ كثافة الأطباء في السودان قبيل الحرب نحو 3.6 طبيب لكل 10,000 مواطن.
18. حساب الفجوة: المعيار الأدنى لمنظمة الصحة العالمية (عتبة الأهداف الإنمائية للألفية) هو 10 أطباء لكل 10,000 مواطن كحد أدنى عملي لتقديم الرعاية الأولية، والموجود فعلياً 3.6 طبيب لكل 10,000. وهذا يعني أن السودان كان ينقصه ما يزيد على 29,000 طبيب إضافي ليبلغ الحد الوظيفي المقبول. وبمقارنة أبسط: مقابل كل طبيب يُفترض أن يكون موجوداً وفق المعيار الأدنى، لا يوجد إلا طبيب واحد لكل ثلاثة مطلوبين، أي أن النظام كان يعمل بأقل من ثلث القدرة الطبية المطلوبة.
19. الأثر الجغرافي: هذا المتوسط الوطني يُخفي واقعاً أشد قسوة في الأطراف. فالكثافة الطبية في الخرطوم كانت تبلغ أضعاف متوسطها الوطني، مما يعني أن الأرياف والولايات النائية كانت تعمل بكثافة طبية تقترب من صفر عملي في مناطق واسعة.
رابعاً: فجوة التمريض
20. بلغت كثافة الممرضين في السودان نحو 14 ممرضاً لكل 10,000 مواطن عام 2019. وتُشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن كثافة الممرضين والقابلات في السودان بلغت 1.1455 لكل 1,000 مواطن عام 2018، أي ما يعادل نحو 11.5 لكل 10,000 مواطن. وبالأخذ بمتوسط هذه التقديرات، يمكن تقدير الكثافة التمريضية قبيل الحرب بنحو 12 إلى 14 ممرضاً وقابلةً لكل 10,000 مواطن.
21. حساب الفجوة: المعيار الأدنى لمنظمة الصحة العالمية (عتبة 2016 لأهداف التنمية المستدامة) هو 30 ممرضاً لكل 10,000 مواطن كحد أدنى عملي، والموجود فعلياً 12 إلى 14 ممرضاً. وهذا يعني أن النظام التمريضي كان يعمل بنحو 40 إلى 47% فقط من الطاقة المطلوبة. وبالأرقام المطلقة، كان السودان ينقصه ما بين 73,000 و83,000 ممرض وممرضة إضافيين ليبلغ الحد الأدنى المطلوب لتحقيق التنمية المستدامة.
22. التوزيع القطاعي: نحو 85% من الكادر التمريضي الموجود كان يعمل في القطاع العام وفق بيانات المنطقة الأفريقية لمنظمة الصحة العالمية، مما يعني أن القطاع الخاص يعاني بدوره من شح في الكوادر، لكنه يُنافس القطاع العام في استقطاب الكفاءات المتاحة بأجور أعلى.
خامساً: فجوة القابلات
23. بلغت كثافة القابلات في السودان نحو 5.1 لكل 10,000 مواطن عام 2019. وهذا الرقم، رغم كونه الأعلى نسبياً مقارنةً ببعض دول المنطقة، يبقى دون الحد المطلوب بشكل كبير.
24. حساب الفجوة: توصي منظمة الصحة العالمية بـ 10 قابلات على الأقل لكل 10,000 مواطن كحد أدنى لتقليل وفيات الأمهات إلى مستويات مقبولة، والموجود فعلياً5.1 قابلة. أما للوفاء بهدف خفض وفيات الأمهات إلى أقل من 50 حالة لكل 100,000 ولادة حية، فيتطلب الأمر 59 طبيباً وممرضاً وقابلةً لكل 10,000 مواطن وفق الأدبيات الدولية، وهو رقم يبعد كثيراً عن الواقع السوداني.
25. الأثر المباشر: ارتبط شحّ القابلات ارتباطاً مباشراً بارتفاع معدلات وفيات الأمهات في السودان التي بلغت نحو 295 حالة لكل 100,000 ولادة حية عام 2020، مقارنةً بمتوسط عالمي يبلغ 70 حالة. وفي الولايات النائية كدارفور وكردفان والنيل الأزرق، تبلغ الأرقام مستويات أشد خطورةً بكثير.
سادساً: الفجوة الشاملة
26. فئة: الكادر الصحي الكلي (أطباء + ممرضون + قابلات): الموجود في السودان 2022 نحو 26.7 لكل 10,000 مواطن. المعيار الأدنى WHO 2006: 22.8 لكل 10,000. المعيار المُحدَّث WHO 2016 لأهداف التنمية: 44.5 لكل 10,000. الفجوة عن عتبة 2016: 17.8 لكل 10,000 (نقص 40% من المطلوب). التقدير الكلي للنقص بالأرقام المطلقة: أكثر من 82,000 كادر.
27. فئة: الأطباء: الموجود في السودان 2022 نحو 3.6 لكل 10,000 مواطن. المعيار الأدنى العملي: 10 لكل 10,000. الفجوة: 6.4 لكل 10,000 (نقص 64% من المطلوب). التقدير الكلي للنقص بالأرقام المطلقة: أكثر من 29,000 طبيب.
28. فئة: التمريض: الموجود في السودان 2022 نحو 12 إلى 14 لكل 10,000 مواطن. المعيار الأدنى العملي لأهداف التنمية: 30 لكل 10,000. الفجوة: 16 إلى 18 لكل 10,000 (نقص 53 إلى 60% من المطلوب). التقدير الكلي للنقص بالأرقام المطلقة: 73,000 إلى 83,000 ممرض.
29. فئة: القابلات: الموجود في السودان 2022 نحو 9.1 لكل 10,000 مواطن. المعيار الأدنى لتخفيض وفيات الأمهات: 10 لكل 10,000 كحد أدنى. الفجوة: 0.9 لكل 10,000 (نقص 9% عن الحد الأدنى فحسب، لكن النقص عن معيار الأثر الفعلي لوفيات الأمهات أكبر بكثير). التقدير الكلي للنقص بالأرقام المطلقة: نحو 4,000 قابلة لبلوغ الحد الأدنى.
سابعاً: السياق والدلالات التحليلية
30. الفخ الإحصائي: الرقم الإجمالي للكادر الصحي (26.7 لكل 10,000) قد يوحي بأن السودان يتخطى العتبة الأولى لمنظمة الصحة العالمية (22.8)، وهذا صحيح رياضياً لكنه مضلل عملياً لأسباب ثلاثة: أولها أن التوزيع الجغرافي شديد الاختلال ولا تعكسه المتوسطات الوطنية. وثانيها أن النسبة الكبرى من هذا الكادر كانت تعمل في القطاع الخاص أو في الخارج لا في الخدمة العامة الفعلية. وثالثها أن ما يزيد على نصف الأطباء السودانيين يعملون خارج البلاد، مما يُقلّص الرقم الفعلي المتاح للخدمة العامة تقليصاً حاداً.
31. الفجوة الجغرافية الداخلية: تُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2020 أن كثافة الكادر الصحي تتباين تبايناً حاداً بين الولايات السودانية. فالخرطوم تستأثر بنسبة غير متناسبة من الأطباء والكوادر المتخصصة، فيما تعاني ولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق وجنوب كردفان من شح يبلغ حد الانعدام في تخصصات بعينها كالتخدير والجراحة وطب العيون.
32. الكادر الموجود لا يساوي الكادر الفاعل: حتى الأرقام الموجودة كانت مُقيَّدة الفاعلية، فبسبب تدني الأجور كان 86% من العاملين الصحيين يمارسون أعمالاً موازية اثناء وخارج وقت الدوام، مما يعني أن الكادر المسجّل في السجلات كان يُقدّم أقل بكثير مما يُمثّله عدده.
33. الدلالة الاستراتيجية: حتى قبل الحرب وبأحسن الظروف، كان السودان يحتاج ضخّاً كبيراً في الكادر الصحي لبلوغ المعايير الدولية. فحرب الكرامة لم تُوجِد الفجوة بل وسّعتها لتصبح هوّةً يصعب ردمها في غياب تدخل وطني منسّق وممنهج.
تأثير فجوة الأجور على مؤشرات التنمية المستدامة الصحية
34. لا تقتصر تداعيات أزمة أجور الكادر الصحي على البُعد الوظيفي للعاملين، بل تمتد لتُلقي بظلالها الثقيلة على المؤشرات الصحية الجوهرية المرتبطة بالهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة (SDG 3)، الذي يسعى إلى ضمان حياة صحية للجميع وتعزيز الرفاه في جميع الأعمار. وفيما يلي تحليل تفصيلي لأثر هذه الفجوة على خمسة مؤشرات محورية.
35. أولاً: وفيات الأمهات (SDG 3.1): يستهدف الهدف 3.1 خفض معدل وفيات الأمهات العالمي إلى ما دون 70 حالة لكل 100,000 ولادة حية بحلول عام 2030. غير أن السودان يُسجّل معدلات تتراوح بين 270 و295 حالة لكل 100,000 ولادة حية وفق أحدث البيانات المتاحة (WHO, 2023)، وهو رقم يكشف عن هوّة هائلة بين الواقع والهدف المنشود.
36. والرابط بين فجوة الأجور ووفيات الأمهات رابط مباشر ومُثبت: فنقص أطباء التوليد والقابلات المؤهلات في المستشفيات الحكومية جراء الهجرة والتسرب المهني يُفضي إلى تراجع نسبة الولادات التي يشرف عليها كادر صحي ماهر. كما أن غياب الطواقم الطبية الكافية في أوقات الذروة الليلية والمناطق الريفية يحوّل حالات الولادة الطبيعية إلى حالات مهددة للحياة. وتُشير الدراسات إلى أن ما يزيد على 60% من وفيات الأمهات في السودان تقع في الولايات الطرفية التي تعاني من أشد مستويات نقص الكوادر الصحية المدربة (Sudan FMOH, 2024)، وهي ذاتها الولايات التي تعجز عن استقطاب الكوادر بسبب انعدام الحوافز المالية.
37. فضلاً عن ذلك، يُساهم ضعف التفرغ المهني الناجم عن الاضطرار للعمل في أكثر من وظيفة في تدني مستوى الرعاية السابقة للولادة (Antenatal Care)، وهي الرعاية التي تُعدّ من أبرز عوامل الوقاية من وفيات الأمهات وفق الأدلة العلمية المتراكمة (Bhutta et al., 2014).
38. ثانياً: وفيات المواليد حديثي الولادة (SDG 3.2 — Neonatal): يستهدف الهدف 3.2 خفض معدل وفيات المواليد حديثي الولادة إلى ما دون 12 حالة لكل 1,000 ولادة حية. بيد أن السودان يُسجّل معدلات تتراوح بين 28 و33 حالة لكل 1,000 ولادة حية، أي ما يزيد على ضعف الهدف المستهدف عالمياً (UNICEF, 2024). وتعكس هذه الأرقام بجلاء الثمن الذي يدفعه المواليد جراء قصور في الرعاية المتخصصة خلال الساعات الأولى الحرجة من الحياة.
39. إن نقص أطباء الأطفال حديثي الولادة (Neonatologists) وأخصائيي التمريض المدربين على الرعاية المركّزة للمواليد يُشكّل أزمة متجذّرة في ظل واقع الأجور الراهن؛ إذ يُفضّل حاملو هذه التخصصات النادرة الهجرة نحو دول الخليج والغرب حيث تبلغ رواتبهم أضعاف ما تقدمه المنشآت الحكومية السودانية. وعلى المستوى العملي، تعاني وحدات رعاية الأطفال الخُدَّج (NICU) في المستشفيات الحكومية من عجز حاد في الكادر المتخصص، وهو ما ينعكس مباشرة في ارتفاع معدلات الوفاة الناجمة عن ضائقة التنفس، والاختناق الولادي، والعدوى المبكرة، وجميعها حالات قابلة للوقاية بوجود الكادر الكافي والمتدرب (Lawn et al., 2014).
40. ثالثاً: وفيات الأطفال دون الخامسة (SDG 3.2 — Under-5): يستهدف الهدف ذاته (3.2) خفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة إلى ما دون 25 حالة لكل 1,000 ولادة حية بحلول 2030. والسودان يُسجّل وفق البيانات الأخيرة معدلات تتراوح بين 55 و68 حالة لكل 1,000 ولادة حية (WHO Global Health Observatory, 2023)، وهو معدل يضع البلاد في مواجهة فجوة واسعة مع الهدف، في ظل مسار تراجعي بطيء لا يتناسب مع الجدول الزمني المطلوب للوفاء بالالتزامات الدولية.
41. والصلة بفجوة الأجور متعددة المسارات: على صعيد برامج التطعيم، يعاني فريق الصحة المجتمعية من نقص حاد في العاملين الميدانيين بسبب تردّي الأجور، مما يُقلّص معدلات التغطية بلقاحات الحصبة والشلل وغيرها في الولايات النائية. وعلى صعيد علاج سوء التغذية الحاد، تشهد مراكز التغذية العلاجية المكثفة عجزاً متكرراً في الكوادر المدربة بسبب الهجرة إلى المنظمات الدولية ذات الرواتب الأعلى. كما أن ضعف الرعاية الأولية وتراجع زيارات الصحة المدرسية جراء نقص الكوادر يحرم آلاف الأطفال من الكشف المبكر عن الأمراض القابلة للعلاج (Kruk et al., 2018).
42. رابعاً: معدل الوفيات الخام (Crude Death Rate): يُعدّ معدل الوفيات الخام مؤشراً كلياً يعكس الأداء الإجمالي للمنظومة الصحية والاجتماعية معاً. ويُسجّل السودان معدلاً يتراوح حول 7 إلى 9 حالات وفاة لكل 1,000 شخص سنوياً، وهو معدل يتأثر تأثراً مركّباً بالأزمات المتشابكة من حرب ونزوح وتدهور اقتصادي وانهيار صحي (UNDP, 2023). بيد أن الجزء المتعلق بضعف المنظومة الصحية في هذا الرقم يُمثّل ثمناً مباشراً تدفعه المجتمعات جراء تدهور جودة الخدمة الصحية وتراجع توافرها.
43. ثمة ثلاثة مسارات رئيسية تربط فجوة أجور الكادر الصحي بارتفاع معدل الوفيات الخام: المسار الأول هو تأخر التشخيص وضعف الإحالة؛ إذ يُفضي نقص الأطباء وتراجع جودة أدائهم إلى إغفال حالات كثيرة في مراحلها القابلة للعلاج. والمسار الثاني هو تراجع الرعاية التلطيفية وإدارة الأمراض المزمنة (السكري، وأمراض القلب، والفشل الكلوي) التي تستلزم متابعة منتظمة من كادر متخصص يتمتع بالاستقرار الوظيفي. أما المسار الثالث فهو ضعف الاستجابة لحالات الطوارئ، لا سيما في المناطق التي تعاني من نقص الكوادر، حيث تتحول حالات قابلة للإنقاذ إلى وفيات لمجرد الوصول المتأخر إلى كادر مؤهل (Hogan et al., 2018).
44. خامساً: العدوى المكتسبة من المنشآت الصحية (Healthcare-Associated Infections — HAIs): تُمثّل العدوى المكتسبة من المنشآت الصحية واحداً من أخطر مؤشرات جودة الرعاية الصحية وأكثرها حساسيةً لمستوى كفاءة الكادر العامل وتحفيزه. وفي السياق السوداني، يرتبط هذا المؤشر ارتباطاً وثيقاً بأزمة الأجور من خلال أربعة مسارات:
45. أولاً: تراجع الالتزام ببروتوكولات مكافحة العدوى: يُشكّل الضغط الناجم عن العمل في وظائف متعددة وتراجع الدافعية المهنية لدى الكادر الصحي عاملاً مباشراً في التراخي في تطبيق إجراءات النظافة المعيارية، كغسل الأيدي، واستخدام معدات الحماية الشخصية، وتعقيم الأدوات والأسطح. ووفق الأدلة العلمية الدولية، فإن نسبة كبيرة من حالات العدوى المكتسبة داخل المستشفيات قابلة للوقاية بتطبيق هذه البروتوكولات البسيطة (WHO, 2022).
46. ثانياً: ضعف كادر مكافحة العدوى المتخصص: تستلزم برامج مكافحة العدوى المؤسسية وجود فريق متخصص ومتفرغ من الممرضين والأطباء المدربين على الوبائيات المستشفياتية. غير أن هذا التخصص هو الأكثر تضرراً من الهجرة والتسرب المهني، إذ تشحّ الكفاءات القادرة على إدارة برامج مكافحة العدوى ومراقبة الأنماط الوبائية داخل المنشآت (Spiegel et al., 2010).
47. ثالثاً: الاكتظاظ وتدني نسبة الكادر للمرضى: نقص الكادر الصحي يُفضي إلى ارتفاع نسبة المرضى لكل ممرض أو طبيب، وهو عامل موثق علمياً في رفع معدلات العدوى داخل المستشفيات (Needleman et al., 2011). وحين يُكلَّف ممرض واحد بمتابعة عشرة مرضى أو أكثر في جناح واحد، تتراجع قدرته على تطبيق الاحتياطات الكافية لكل حالة.
48. رابعاً: مقاومة مضادات الميكروبات (AMR): يُغذّي الاستخدام غير الرشيد لمضادات الميكروبات — الناجم جزئياً عن ضعف الإشراف الصيدلاني وتراجع الالتزام بالبروتوكولات العلاجية — ظاهرة مقاومة المضادات الحيوية، التي باتت تمثل تهديداً متصاعداً في المنشآت الصحية السودانية. وقد رصدت تقارير منظمة الصحة العالمية لمنطقة شرق المتوسط ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات العزلات المقاومة في المنشآت التي تعاني من نقص الكادر المتخصص وضعف منظومة الرقابة الوبائية (WHO EMRO, 2021).
49. الأثر التراكمي — الفجوة بين الواقع والهدف 2030: تكشف المؤشرات مجتمعةً أن السودان لن يكون قادراً على الوفاء بالتزاماته تجاه أهداف التنمية المستدامة في قطاع الصحة ما لم تُعالَج أزمة الكادر الصحي وأجوره معالجةً هيكلية جذرية. فمؤشرات الصحة ليست أرقاماً في تقارير دولية، بل هي أرواح أمهات وأطفال يمكن إنقاذها بقرارات سياسية واستثمارية صائبة في الكادر البشري الصحي.
رابعاً: واقع الأجور — الأرقام والحقائق
50. تكشف بيانات ميدانية لعام 2024-2025 أن العامل الصحي ومساعده يتقاضى ما بين 10 و15 دولاراً شهرياً، أي ما بين 120 و180 دولاراً سنوياً، في مقابل حد أدنى للمعيشة الكريمة لا يقل عن 500 دولار شهرياً. والممرض وتقني المختبر يتقاضى بين 15 و20 دولاراً شهرياً، أي 180 إلى 240 دولاراً سنوياً، مقابل الحد ذاته. والطبيب العام يتقاضى بين 20 و30 دولاراً شهرياً، أي 240 إلى 360 دولاراً سنوياً، في مقابل حد معيشة لا يقل عن 700 دولار شهرياً. والطبيب الأخصائي يتقاضى بين 25 و35 دولاراً شهرياً، أي 300 إلى 420 دولاراً سنوياً، في مقابل لا يقل عن 800 دولار. أما الطبيب الاستشاري، وهو قمة الهرم الطبي بعد 12 إلى 14 سنة من التدريب، فلا يتجاوز راتبه 35 إلى 40 دولاراً شهرياً، أي 420 إلى 480 دولاراً سنوياً، في مقابل حد معيشة لا يقل عن 1000 دولار شهرياً.
ملحوظة : المرتب بالعملة المحلية ومعرض لخطر التضخم ونزول القوة الشرائية للجنيه
بمعني اخر ان هذا المرتب داىما في حالة نقصان امام الدولار.
51. تكشف هذه الأرقام عن هوّة مروّعة: الطبيب الاستشاري يتقاضى راتباً لا يكفي لتغطية نفقات أسرة متوسطة لأسبوع واحد في أي عاصمة عالمية. أما العامل الصحي فلا يزيد دخله الشهري على ثلاثة أكواب من القهوة في مقهى عادي.
خامساً: الأضرار على النظام الصحي
52. على صعيد التآكل الوظيفي والإرهاق المهني، تراجع الالتزام المهني جراء عدم الوفاء بالاحتياجات الأساسية للعاملين، وارتفعت معدلات الغياب والتراخي في الأداء نتيجة ضغوط الحياة المعيشية، واضطر ما يقارب 70% من العاملين إلى ممارسة أعمال إضافية داخل و خارج أوقات الدوام للبقاء، وتدهورت الصحة النفسية للكوادر وارتفعت معدلات الاحتراق الوظيفي.
53. وعلى صعيد انهيار جودة الخدمة، تراجعت نسب الالتزام بالبروتوكولات الطبية الدولية، وحدث نقص حاد في التفرغ الكافي لكل مريض جراء الضغط الوظيفي المضاعف، وتدنّى مستوى التحديث المعرفي والمواكبة العلمية لدى العاملين، وتراجعت الثقة المجتمعية في المنشآت الحكومية والانزياح نحو القطاع الخاص.
54. وعلى صعيد الاستثمار البشري، أحجمت الكفاءات الشابة عن التخصص في المجالات ذات الأولوية الصحية، علي النوعين الاداري والفني (ادارة نظام صحي ،صحة عامة،طب محتمع،جودة،مكافحة عدوي ،وبائيات ادارة مستشفيات طب نفسي اشعة تداخلية ،تخدير ،علم امراض ،طواريء،كب اسرة ،مخ واعصاب،جراحة اطفال،جراحة تجميل ،اوردة وشرايين ،،،،،الخ) ،وتضاءلت الدافعية للتدريب والتطوير المهني المستمر، واستُنزفت عقود من الاستثمار في تأهيل الكوادر في غضون سنوات قليلة.
سادساً: تمزية (توزيع) القوى العاملة الصحية
55. يشهد السودان ظاهرة ممنهجة لتفكك القوى العاملة الصحية على ثلاثة مسارات متوازية.
56. المسار الأول هو التسرب إلى القطاع الخاص، إذ يعمل ما يزيد على 65% من الأطباء الحكوميين في المؤسسات العلاجية الخاصة والعيادات الخاصة اثناء وبعد انتهاء الدوام الرسمي، مما يستنزف طاقتهم وتركيزهم من الخدمة العامة لصالح الخدمة الخاصة المدفوعة، وتحوّلت المنشآت الحكومية إلى محطات تدريب تُغذّي القطاع الخاص بالكفاءات على نفقة الدولة.
57. المسار الثاني هو التحول المهني، حيث ينتقل أعداد متزايدة من الكوادر إلى مهن غير صحية ذات عائد أعلى، وتحوّل بعض الأطباء إلى التجارة والخدمات كمصدر رزق رئيسي، مع تراجع نسبي في أعداد الطلاب المتقدمين للكليات الصحية الحكومية.
58. المسار الثالث هو هجرة الكفاءات، وتُسجّل السودان من أعلى معدلات هجرة الأطباء في القارة الأفريقية، ويُفيد نحو 80% من خريجي الطب بامتلاكهم نية جدية للهجرة خلال السنوات الخمس الأولى، فيما استقطبت دول الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية أكثر من 12,000 طبيب سوداني مقيم بالخارج.
سابعاً: التأثير على توافر الخدمات الصحية
59. تعمل أكثر من 40% من المستشفيات الحكومية بأقل من 50% من طاقتها البشرية المخططة، وتبلغ نسبة الأطباء للسكان نحو 0.1 طبيب لكل 1000 مواطن، مقارنةً بمعيار منظمة الصحة العالمية البالغ طبيباً واحداً لكل 1000 مواطن. ويعاني القطاع من شح حاد في التخصصات الحيوية كالجراحة والتخدير وطب الطوارئ وأمراض النساء والتوليد. ويتسع الفارق الجغرافي حيث تتركز الكوادر المتاحة في المدن الكبرى بينما تعاني الأرياف والأطراف من شبه انعدام للخدمات. وترتفع معدلات وفيات الأمهات والأطفال في المناطق التي تفتقر إلى الكوادر المؤهلة، وتتراجع معدلات التطعيم والرعاية الوقائية بسبب نقص العاملين في الصحة المجتمعية.
ثامناً: خطر الهجرة
60. تُشكّل هجرة الكفاءات الصحية من السودان أزمةً في أزمة. فالهجرة تستهدف الكفاءات الأعلى تأهيلاً والأشد تجربةً، أي العقل المدبّر للنظام الصحي، وخسارة كل طبيب متخصص تعني ضياع استثمار دولة يتراوح بين 150,000 و300,000 دولار في التعليم والتدريب. والهجرة تُولّد حلقة مفرغة: شحّ الخدمات يدفع الكفاءات للرحيل، ورحيلها يزيد الشح، مما يُهاجر المزيد. وأثر استنزاف المواهب الصحي يحتاج أجيالاً لإصلاحه حتى بعد تحسن الأوضاع.
61. وتكشف المؤشرات خطورة بالغة: تُسجّل السودان الترتيب الأول عربياً في نسبة هجرة الكوادر الصحية المؤهلة، وحوالي 92% من الأطباء السودانيين خريجو أمس يعملون خارج البلاد، وارتفع بشكل حاد عدد طلبات التوثيق وتصديق الشهادات للاعتراف الدولي منذ 2019، فيما تسارعت وتيرة الهجرة بنسبة تتجاوز 200% منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
بلغ عدد الكوادر الصحية التي هاحرت للخارج خلال الخمس سنوات الماضية منذ 2019وحتي2023 خوالي 32,000كادر صحي 68%منهم اطباء.
تاسعاً: الفجوة الهيكلية
62. الفجوة في منظومة الأجور الصحية السودانية ليست رقمية فحسب، بل هيكلية متجذّرة. وتتجلى في خمسة أبعاد: فجوة الكفاءة إذ يتقاضى الطبيب راتباً أقل مما يحتاجه للوصول إلى مكان عمله يومياً؛ وفجوة العدالة إذ لا توجد علاقة منطقية بين سنوات التدريب ومستوى المسؤولية والراتب المدفوع؛ وفجوة المقارنة إذ لا يبلغ الراتب السوداني 2 إلى 5% من نظيره في دول إقليمية مشابهة؛ وفجوة التضخم إذ لم تواكب الأجور الاسمية معدلات التضخم المتصاعدة التي بلغت ثلاثة أرقام في سنوات عدة؛
كما بلغ التصخم منذ اندلاع خرب المرامة 2023 وختي 2026 ثمانية اضعاف ، وأخيراً فجوة الحوافز المتمثلة في الغياب شبه التام لمنظومة حوافز عادلة ومنصفة في كل المؤسسات الصحية مرتبطة بالأداء والجودة والمناطق النائية.
63. وتعود هذه الفجوة إلى أسباب جذرية منها: هيمنة إدارة الرواتب الحكومية المركزية غير المرنة التي تعامل الطبيب كموظف إداري، وغياب استقلالية القرار في الوزارات الصحية عن وزارة المالية، وضعف القدرة التفاوضية للنقابات المهنية، وعدم ربط الموازنات الصحية بنسبة ثابتة من الناتج المحلي الإجمالي.
عاشراً: تأثيرات حرب الكرامة
64. جاءت حرب أبريل 2023 لتُضيف طبقات جديدة من الأزمة فوق بنية متشققة أصلاً. على صعيد الأضرار المباشرة، تم تدمير أو إخراج أكثر من 60% من المنشآت الصحية في الخرطوم والولايات المتأثرة عن الخدمة، ونزح الكوادر الصحية من المناطق المشتعلة نحو الولايات الآمنة أو خارج البلاد، وانقطعت سلاسل إمداد الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية لفترات مطوّلة، وتوقف صرف الرواتب في مناطق عديدة بسبب انهيار المنظومة البنكية والمالية.
65. وعلى صعيد الأضرار غير المباشرة، تضاعفت معدلات الفقر وتراجع الناتج المحلي مما يُقلّص القدرة المالية للدولة، وارتفع الطلب على الخدمات الصحية مقابل تراجع حاد في العرض، وتسارع انهيار قيمة الجنيه وتآكل القوة الشرائية لأي راتب، وتشتتت الحوكمة الصحية وتعددت مراكز القرار بصورة اضرت كثيرا بالنظام الصحي في ظل حرب الكرامة .
66. في ظل هذا المشهد، تحوّل الواقع الهش إلى كارثة، ولم تعد إجراءات الإصلاح الروتيني كافية. المطلوب تدخل جراحي عاجل متزامن مع تخطيط استراتيجي للإعادة والبناء.
أحد عشر: الحلول العاجلة لاستبقاء الكوادر
67. في مرحلة ما بعد الأزمة وخلالها، لا يمكن انتظار الحلول الهيكلية بعيدة المدى. ثمة إجراءات عاجلة يمكن تطبيقها خلال 3 إلى 6 أشهر.
68. على صعيد المنح والإعانات، يُقترح دعم طوارئ شهري مباشر لجميع العاملين الصحيين في القطاع العام يُعادل على الأقل 150 إلى 200 دولار بتمويل من صندوق طوارئ أممي أو منظمات دولية، وتفعيل الشراكة مع منظمات كأطباء بلا حدود وWHO وUNICEF لدفع بدلات تشغيلية مباشرة، وإنشاء صندوق وطني لدعم أسر العاملين الصحيين في المناطق المتضررة.
69. وعلى صعيد الحوافز غير المادية، يُقترح ضمان التدريب المستمر والشهادات المعتمدة دولياً كحافز مهني جوهري، وتسهيل الوصول إلى الإنترنت والمصادر العلمية ومنصات التعليم الطبي عن بُعد، وتوفير السكن الميسّر أو المدعوم بالقرب من مناطق العمل، وتطبيق نظام تأمين صحي مجاني شامل للعاملين وأسرهم.
70. وعلى صعيد الإجراءات الإدارية العاجلة، يُقترح إنشاء قاعدة بيانات موحدة وآنية لأعداد الكوادر الصحية وتوزيعهم الجغرافي، وتطبيق نظام خريطة التوزيع الوظيفي لضمان تغطية المناطق المحرومة أولاً، وإصدار تشريع طارئ يُجرّم استقطاب كوادر القطاع العام من قِبل القطاع الخاص.
ثاني عشر: الحلول المستدامة — إصلاح هيكلي شامل
71. تستلزم الحلول المستدامة إصلاحاً هيكلياً متكاملاً يمتد بين سنة وخمس سنوات، ويستند إلى إطار ركائز النظام الصحي السبع لمنظمة الصحة العالمية.
72. الركيزة الأولى هي القيادة والحوكمة، وتُعنى بوجود إطار مؤسسي واضح يُرسي سياسات صحية مستقرة ويضمن المساءلة والشفافية. والسودان يعاني ضعفاً واضحاً فيها جراء الحروب المتعاقبة وتشتت مراكز القرار الصحي.
73. والركيزة الثانية هي تمويل الصحة وتشمل آليات تعبئة الموارد المالية وتوزيعها وإدارتها، وهي الركيزة الأكثر اختلالاً في الحالة السودانية.
74. والركيزة الثالثة هي القوى العاملة الصحية وتُعدّ قلب النظام الصحي، وأزمة الأجور الموثّقة في هذه الورقة تضرب هذه الركيزة في صميمها.
75. والركيزة الرابعة هي المعلومات والبيانات الصحية، والسودان يعاني من ثغرات هيكلية فيها أفضت إلى قصور في استجابة سياسات الأجور.
76. والركيزة الخامسة هي الأدوية والتقنيات الطبية الأساسية، وقد كشفت الحرب عن هشاشة بالغة في سلاسل الإمداد الدوائي.
77. والركيزة السادسة هي تقديم الخدمات الصحية، وهي التي تتجلى فيها تداعيات أزمة الأجور بوضوح.
78. والركيزة السابعة هي البنية التحتية الصحية، وقد لحق بها دمار جسيم جراء الحرب.
79. على صعيد الإصلاح التشريعي والمؤسسي، يُقترح إصدار قانون خاص لرواتب الكادر الصحي مستقل عن سلم رواتب الخدمة المدنية، وتحديد نسبة ثابتة لا تقل عن 15% من الموازنة العامة لقطاع الصحة، ومنح المجالس المهنية الصحية صلاحيات فعلية في صياغة سياسات الرواتب والحوافز، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لتحديث مستويات الرواتب الصحية دورياً.
80. وعلى صعيد منظومة الأجور والحوافز، يُقترح تبني سلّم رواتب متدرج يعكس سنوات الخبرة والتخصص والموقع الجغرافي وجودة الأداء، وربط 20 إلى 30% من الراتب بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وتطبيق معادلة التحديث السنوي التلقائي المرتبطة بمؤشر التضخم، وإنشاء صندوق تقاعد صحي خاص.
81. وعلى صعيد التطوير المهني، يُقترح إنشاء منصة وطنية للتعليم الطبي المستمر وربطها بالترقيات والمزايا، وتفعيل شراكات مع الجامعات الإقليمية والدولية لبرامج التدريب التبادلي، وتطوير برامج الإقامة التخصصية المحلية.
82. وعلى صعيد التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة، يُقترح إعداد خطة وطنية لتطوير الموارد البشرية الصحية للسنوات 2025 إلى 2035، وتوقيع اتفاقيات ثنائية مع دول الاستقبال لتنظيم الهجرة وضمان حقوق الكوادر، وإنشاء برنامج وطني لاستعادة الكفاءات المهاجرة بحوافز تنافسية.
83. وعلى صعيد إصلاح التمويل الصحي، يُعدّ الانتقال إلى نظام تأمين صحي وطني إلزامي حقيقي لحميع السكان الركيزةَ الجوهرية التي لا يمكن لأي إصلاح آخر أن ينجح دونها. وقد كشفت حرب الكرامة عن عجز هيكلي واضح للحكومة عن تمويل الصحة في ظل سياساتها غير المتسقة، إذ تتحمل ثلاثة أنظمة متضاربة هي العلاج المجاني والتأمين الصحي ولائ/قومي والعلاج الاقتصادي دون آلية فاعلة لتقاسم التكلفة. وهذا النظام شاذ عن نموذج بيسمارك القائم على اشتراكات العمل ونموذج بيفريدج القائم على الضرائب العامة، او نهج التامين الصحي الوطني الذي تكبقه معظم الدول التي حققت مؤسرات التغطية الشاملة وكلاها حقق مؤشرات قياسية في كفاءة الإنفاق الصحي وجودة الخدمات. ويُحقق التأمين الصحي الإلزامي توزيع مخاطر الإنفاق، وتقليل الصرف الحكومي العشوائي، وتوليد إيرادات مستدامة، وبناء مرجعية لتسعير الخدمات. ويستلزم تحقيق هذا الإصلاح إصدار تشريع وطني شامل، وإنشاء هيئة مستقلة لإدارة الصندوق الصحي القومي، وبناء منظومة معلوماتية للمطالبات والمدفوعات.
ثالث عشر: التجارب الدولية المقارنة
84. تُسجّل إثيوبيا رواتب شهرية للأطباء بين 80 و150 دولاراً مع نموذج استبقاء يعتمد على مكافآت ريفية مع إسكان وعلاح وزيادة بنسبة 40% للمناطق النائية.
85. وتُسجّل رواندا رواتب بين 200 و400 دولار مع ربط الأداء بالمساكن الحكومية، وتُعدّ نموذجاً ناجحاً في أفريقيا.
86. والأردن يُسجّل رواتب بين 600 و1200 دولار مع حوافز تخصصية وربط الراتب بالإنتاجية.
87. وتونس تُسجّل رواتب بين 400 و800 دولار مع تدرج وظيفي واضح ونظام ترقيات فعّال.
88. وبنغلاديش تُسجّل رواتب بين 150 و300 دولار مع حزمة اجتماعية شاملة تجمع تأمين صحياً وتعليماً.
89. وكوبا تُسجّل رواتب بين 50 و100 دولار مضافاً إليها خدمات عبر نموذج اشتراكي شامل يتضمن إسكاناً وتعليماً وصحةً مجانية.
90. والدروس المستخلصة من هذه التجارب أنه لا يوجد نموذج واحد جاهز للتطبيق والنجاح مرهون بالتكييف مع السياق المحلي، وأن الحوافز غير المادية قد تكون أشد أثراً من الزيادة النقدية منفردةً، وأن الاستثمار في المناطق النائية يتطلب بدلات جاذبية تعوّض العزلة وصعوبة الحياة، وأن الشفافية في سياسات الترقي تُقلّل من الدافعية للهجرة، وأن المشاركة الفعلية للمجتمعات في إدارة منشآتها الصحية ترفع الكفاءة وتعزز الاستبقاء.
رابع عشر: خارطة الطريق — مسار زمني للإصلاح
91. تتكون خارطة الطريق من أربع مراحل متتالية.
92. المرحلة الأولى من صفر إلى ستة أشهر وهي مرحلة الطوارئ، وتتمحور حول حزم طوارئ مالية ووقف نزيف الهجرة وحماية المنشآت، ومخرجاتها المستهدفة هي بدل طوارئ 150 دولاراً لجميع العاملين الصحيين وقاعدة بيانات موحدة وبروتوكول حماية صحي.
93. والمرحلة الثانية من ستة إلى ثمانية عشر شهراً وهي مرحلة التثبيت، وتتمحور حول الإصلاح التشريعي ومنظومة رواتب جديدة وحوافز الاستبقاء، ومخرجاتها قانون رواتب صحي مستقل وسلم رواتب متدرج وصندوق تقاعد صحي.
94. والمرحلة الثالثة من ثمانية عشر إلى ستة وثلاثين شهراً وهي مرحلة البناء، وتتمحور حول تطوير القدرات واسترجاع الكفاءات والحوكمة المستدامة، ومخرجاتها إعادة 1000 كفاءة مهاجرة وإنشاء 5 مراكز تدريب متخصص ونظام اعتماد محلي.
95. والمرحلة الرابعة من ستة وثلاثين إلى ستين شهراً وهي مرحلة التوطيد، وتتمحور حول تحقيق المعايير الدولية وتوسيع التغطية والقيادة الإقليمية، ومخرجاتها طبيب واحد لكل 1000 مواطن وتغطية ريفية بنسبة 80% ومرجعية إقليمية في الصحة.
خامس عشر: التوصيات
96. للحكومة السودانية: إعلان القطاع الصحي قطاعاً استراتيجياً في الدستور يستوجب حماية مالية خاصة لا تخضع للتقشف، وتأسيس مجلس أعلى للموارد البشرية الصحية يرفع توصياته مباشرةً لرئاسة الوزراء، وإطلاق حوار وطني جامع مع النقابات الصحية لبناء ميثاق رواتب وطني توافقي.
97. للمجتمع الدولي والمانحين: تخصيص 30% على الأقل من مساعدات الصحة الإنسانية لدعم أجور الكوادر مباشرةً، وإنشاء صندوق دولي لتمويل الرواتب الصحية في الدول الهشة مؤسسياً، ودعم برامج التدريب المحلي بدلاً من الابتعاث الخارجي لتقليل نسب هجرة المتدربين.
98. للقطاع الخاص والمجتمع المدني: تبني مبادرات المسؤولية الاجتماعية لدعم المستشفيات الحكومية في التوظيف والتجهيز، وإنشاء شراكات عامة-خاصة لإدارة المستشفيات الخاصة بنموذج يضمن تنافسية الرواتب، وتأسيس صناديق صحية مجتمعية تُمكّن المجتمعات من المساهمة في رواتب كوادرها.
الخاتمة
99. إن أزمة رواتب الكادر الصحي في السودان ليست أزمة ميزانية يمكن حلها بالتقشف أو تأجيل الحلول. إنها أزمة وجودية للنظام الصحي تمس حق الإنسان السوداني في الحياة والكرامة.
100. والكادر الصحي الذي يداوم ساعات طويلة بأجر لا يكفي للمواصلة، يُقدّم في كل لحظة مثالاً نادراً من الإيثار. لكن الإيثار وحده لا يُبنى به نظام صحي مستدام، ولا يمنع دماغاً من الهجرة إلى حيث يُقدَّر.
101. الإصلاح الحقيقي يبدأ باعتراف الدولة بأن الطبيب والممرض والكوادر الصحية والطبية الاخري والعامل الصحي ليسوا موظفين عاديين، بل هم البنية التحتية الحقيقية للأمن القومي. ومن لا يصون كوادره الصحية اليوم، يدفع ثمناً أضعافاً مضاعفة غداً في فاتورة مرض أمة بلا رعاة.
102. إن قوة أي أمة تُقاس بصحة شعبها، وصحة شعبها رهينة بكرامة من يرعاها.
المصادر والمراجع
103. World Health Organization Global Health Observatory — Sudan Country Data (NHWA Portal).
104. Mukhtar et al. (2024). Sudan: from a forgotten war to an abandoned healthcare system. PMC 11529772.
105. World Bank Development Indicators — Sudan Physicians & Nurses per 1,000 (2017–2018).
106. U.S. Department of Commerce. Sudan Health Care and Health Technologies Country Commercial Guide (2015 data).
107. ReliefWeb / OCHA. Sudan Health Workforce Density per State Map (June 2020).
108. GBD 2019 Human Resources for Health Collaborators. The Lancet (2022). PMC9168805.
109. World Health Organization. (2023). Health workforce in Sudan: Country profile and crisis assessment. Geneva: WHO Press.
110. World Health Organization. (2010). Monitoring the building blocks of health systems: A handbook of indicators and their measurement strategies. Geneva: WHO Press.
111. World Health Organization. (2006). The World Health Report 2006: Working together for health. Geneva: WHO Press.
112. World Health Organization. (2022). Health emergency in Sudan: Situation report. Geneva: WHO Regional Office for the Eastern Mediterranean.
113. UNICEF. (2024). Sudan humanitarian situation report: Health sector. New York: UNICEF.
114. United Nations Development Programme. (2024). Sudan human development report: Crisis, resilience and recovery. New York: UNDP.
115. World Health Organization. (2019). Global health workforce statistics: Sudan country data. Geneva: WHO Global Health Observatory.
116. Aluttis, C., Bishaw, T., & Frank, M. W. (2014). The health workforce and global health: A scoping review. Public Health Reviews, 35(1). https://doi.org/10.1007/BF03391702
117. Hagopian, A., Thompson, M. J., Fordyce, M., Johnson, K. E., & Hart, L. G. (2004). The migration of physicians from sub-Saharan Africa to the United States of America. Human Resources for Health, 2(1). https://doi.org/10.1186/1478-4491-2-17
118. Dussault, G., & Franceschini, M. C. (2006). Not enough there, too many here: Understanding geographical imbalances in the distribution of the health workforce. Human Resources for Health, 4(1). https://doi.org/10.1186/1478-4491-4-12
119. Awases, M., Gbary, A., Nyoni, J., & Chatora, R. (2004). Migration of health professionals in six countries: A synthesis report. Brazzaville: WHO Regional Office for Africa.
120. Willis-Shattuck, M., Bidwell, P., Thomas, S., Wyness, L., Blaauw, D., & Ditlopo, P. (2008). Motivation and retention of health workers in developing countries: A systematic review. BMC Health Services Research, 8(1). https://doi.org/10.1186/1472-6963-8-247
121. Mullan, F. (2005). The metrics of the physician brain drain. New England Journal of Medicine, 353(17). https://doi.org/10.1056/NEJMsa050004
122. Kutzin, J. (2013). Health financing for universal coverage and health system performance. Bulletin of the World Health Organization, 91(8). https://doi.org/10.2471/BLT.12.113985
123. Wagstaff, A., & Van Doorslaer, E. V. (2000). Equity in health care finance and delivery. In A. J. Culyer & J. P. Newhouse (Eds.), Handbook of Health Economics, Vol. 1. Elsevier.
124. World Health Organization. (2010). Health systems financing: The path to universal coverage. The World Health Report 2010. Geneva: WHO Press.
125. Preker, A. S., & Carrin, G. (Eds.). (2004). Health financing for poor people: Resource mobilization and risk sharing. Washington, DC: World Bank.
126. Savedoff, W. D., de Ferranti, D., Smith, A. L., & Fan, V. (2012). Political and economic aspects of the transition to universal health coverage. The Lancet, 380(9845). https://doi.org/10.1016/S0140-6736(12)61083-6
127. Pfeiffer, J., & Chapman, R. (2010). Anthropological perspectives on structural adjustment and public health. Annual Review of Anthropology, 39. https://doi.org/10.1146/annurev.anthro.012809.105101
128. Haar, R. J., & Rubenstein, L. S. (2012). Health in postconflict and fragile states. United States Institute of Peace, Special Report 294. Washington, DC: USIP.
129. Médecins Sans Frontières. (2024). Sudan: Collapsed health system amid ongoing conflict. MSF International Activity Report. Amsterdam: MSF.
130. Spiegel, P. B., Checchi, F., Colombo, S., & Paik, E. (2010). Health-care needs of people affected by conflict. The Lancet, 375(9711). https://doi.org/10.1016/S0140-6736(09)61873-0
131. Sudan Federal Ministry of Health. (2024). Annual health statistical report 2023–2024. Khartoum: FMOH.
132. World Health Organization. (2007). Everybody’s business: Strengthening health systems to improve health outcomes. Geneva: WHO Press.
133. Frenk, J., Chen, L., Bhutta, Z. A., et al. (2010). Health professionals for a new century. The Lancet, 376(9756). https://doi.org/10.1016/S0140-6736(10)61854-5
134. Dolea, C., Stormont, L., & Braichet, J. M. (2010). Evaluated strategies to increase attraction and retention of health workers in remote and rural areas. Bulletin of the World Health Organization, 88(5). https://doi.org/10.2471/BLT.09.070607
135. Dal Poz, M. R., Gupta, N., Quain, E., & Soucat, A. L. B. (Eds.). (2009). Handbook on monitoring and evaluation of human resources for health. Geneva: WHO Press.
136. Bhutan Ministry of Health. (2019). Human resources for health master plan 2019–2023. Thimphu: Royal Government of Bhutan.
137. Binagwaho, A., Farmer, P. E., Nsanzimana, S., et al. (2014). Rwanda 20 years on: Investing in life. The Lancet, 384(9940). https://doi.org/10.1016/S0140-6736(14)60574-2
138. Serneels, P., Montalvo, J. G., Pettersson, G., et al. (2010). Who wants to work in a rural health post? Tropical Medicine & International Health, 15(10). https://doi.org/10.1111/j.1365-3156.2010.02607.x
139. Kanchanachitra, C., Lindelow, M., Johnston, T., et al. (2011). Human resources for health in southeast Asia. The Lancet, 377(9767). https://doi.org/10.1016/S0140-6736(10)62035-1
140. Jordanian Ministry of Health. (2022). Annual statistical report on human resources in health sector. Amman: MoH Jordan.
141. منظمة الصحة العالمية — المكتب الإقليمي لشرق المتوسط. (2021). الوضع الصحي في إقليم شرق المتوسط: تقرير سنوي. القاهرة.
142. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2023). تقرير التنمية البشرية للسودان 2023. الخرطوم.
143. وزارة الصحة السودانية الاتحادية. (2022). الخطة الوطنية للصحة 2022–2026. الخرطوم.
144. Kruk, M. E., Gage, A. D., Arsenault, C., et al. (2018). High-quality health systems in the Sustainable Development Goals era. The Lancet Global Health, 6(11). https://doi.org/10.1016/S2214-109X(18)30386-3
145. United Nations. (2015). Transforming our world: The 2030 Agenda for Sustainable Development. New York: United Nations.
146. World Health Organization, & International Bank for Reconstruction and Development. (2023). Tracking universal health coverage: 2023 global monitoring report. Geneva: WHO Press.
147. Sustainable Development Solutions Network. (2024). Sudan SDG index and dashboards report. New York: SDSN.
148. Hogan, D. R., Stevens, G. A., Hosseinpoor, A. R., & Boerma, T. (2018). Monitoring universal health coverage within the Sustainable Development Goals. The Lancet Global Health, 6(2). https://doi.org/10.1016/S2214-109X(17)30472-2
د. محمد إبراهيم عبد الرحمن يوسف
Dr.Mohammed Ibrahim Abdelrahman Yousif



